تفحص هذه الورقة آفاق إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر عقدها في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وتقيّم مدى إمكانية إجراء اقتراع ذي مصداقية في ظل القيود السياسية والمناطقية والأمنية الشديدة. ويتمثل الغرض الرئيسي من هذه الورقة في تقديم تقييم للمعوقات الهيكلية الأساسية التي تواجه الانتخابات، بما في ذلك التجزؤ المناطقي للضفة الغربية، والتدهور المالي الحاد الذي تعاني منه السلطة الفلسطينية، ودمار قطاع غزة، والتزامن السياسي مع الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول 2026. وعلاوة على ذلك، ترسم الورقة خريطة للقوى السياسية الخمس المتنافسة وديناميات التحالفات التي ستشكل الحملة الانتخابية، وتحلل بيانات الرأي العام والسيناريوهات الانتخابية لتحديد ما إذا كان التصويت في ظل الظروف الراهنة يمكن أن ينتج مجلسًا تشريعيًا يتمتع بشرعية حقيقية للحكم. وفي نهاية المطاف، تقيّم ما إذا كان التأجيل العملي لمدة ثلاثة إلى أربعة أشهر—بنقل الاقتراع من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 إلى أوائل عام 2027—يمكن أن يوفر النافذة الزمنية اللازمة للتعامل مع هذه العقبات، ومواءمة الأطر الانتخابية، ووضع أساس قابل للحياة لتجديد الشرعية السياسية الفلسطينية.
السياق: التدهور السياسي، والتجزؤ الإقليمي، وضرورة التجديد |
تحمل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة أهمية سياسية بالغة، إذ تُجرى بعد عشرين عامًا من آخر انتخابات برلمانية في عام 2006، وبعد أكثر من ثلاثة أعوام على هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تلاه من حرب على قطاع غزة. وقد غيّرت هذه التطورات المفصلية بصورة جوهرية توازن القوى الداخلي الفلسطيني، وحطمت ثقة الجمهور بالمؤسسات السياسية القائمة، وجعلت تجديد الشرعية الديمقراطية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى خلال العقود الأخيرة. ومع ذلك، أوجدت مرحلة ما بعد 7 أكتوبر مشهدًا جديدًا من العقبات الخطيرة التي فاقمت المعوقات الهيكلية طويلة الأمد التي حالت دون إجراء الانتخابات طوال العقدين الماضيين.
في الضفة الغربية، شهدت البيئة السياسية والأمنية تدهورًا حادًا. ففي يناير/كانون الثاني 2023، تولت السلطة في إسرائيل حكومة الائتلاف الإسرائيلي الأكثر يمينية وقومية دينية في تاريخ إسرائيل، مع أجندة حكم معلنة تركز على توسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وإضعاف السلطة الفلسطينية بصورة منهجية. ونفذت الحكومة الإسرائيلية سياسة مستدامة من الضم الفعلي التدريجي، إلى جانب الإكراه الإداري والقيود المناطقية في مختلف أنحاء الضفة الغربية. وتسارع توسيع المستوطنات بوتيرة غير مسبوقة: ففي عام 2023، تقدمت السلطات الإسرائيلية بخطط لبناء 12,349 وحدة سكنية في مستوطنات الضفة الغربية، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف عدد الوحدات البالغ 4,427 وحدة في عام 2022، وهو أعلى رقم سنوي مسجل منذ توقيع اتفاقيات أوسلو. وفي الوقت نفسه، تصاعد عنف المستوطنين المدعوم من الدولة إلى مستويات قياسية تاريخية. ووثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 1,432 هجومًا من جانب المستوطنين ضد الفلسطينيين في عام 2024، وهو أعلى مجموع سنوي منذ بدء جمع البيانات بصورة منهجية عام 2006. وارتفع الرقم أكثر في عام 2025، حيث سجّل المكتب أكثر من 1,800 هجوم، بمتوسط خمسة حوادث عنيفة يوميًا. وبحلول يوليو/تموز 2026، كان قد تم توثيق أكثر من 1,330 حادثة عنف إضافية، بمتوسط يزيد على ستة حوادث يوميًا. ومنذ يناير/كانون الثاني 2023، أدى عنف المستوطنين، إلى جانب القيود العسكرية على الحركة والوصول وأوامر الهدم، إلى التهجير القسري لأكثر من 6,200 فلسطيني، تركز معظمهم في المجتمعات الهشة في المنطقتين (ج) و(ب)، بما يقوض آفاق السلام المستقبلية.
في الوقت نفسه، واجهت السلطة الفلسطينية قيودًا سياسية وأمنية ومالية مُنهِكة. فقد أدى التصعيد الكبير في الاقتطاعات والحجوزات الإسرائيلية من إيرادات المقاصة إلى تآكل شديد في القدرة المالية للسلطة الفلسطينية على دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية، والحفاظ على الخدمات العامة الأساسية، وممارسة حكم فعّال. وفي النصف الأول من عام 2025، بلغ متوسط الاقتطاعات الإسرائيلية الشهرية أكثر من 460 مليون شيكل، مقارنة بنحو 200 مليون شيكل شهريًا قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتوقفت التحويلات بالكامل اعتبارًا من مايو/أيار 2025، ما أدخل السلطة الفلسطينية في أزمة مالية غير مسبوقة أضعفت بشدة قدرتها العملية على الحكم.
وأثار عجز السلطة الفلسطينية عن حماية بلدات الضفة الغربية من إرهاب المستوطنين أو الاستجابة بفاعلية للمأساة الإنسانية في غزة استياءً عامًا واسعًا. وينظر الجمهور الفلسطيني بصورة متزايدة إلى القيادة في رام الله باعتبارها ضعيفة وغير فعالة ومنفصلة عن السكان. ولا تزال المطالب الشعبية باستقالة الرئيس محمود عباس مرتفعة بصورة استثنائية. فوفقًا لاستطلاع للرأي العام أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أغسطس/آب 2026، يطالب 79% من الفلسطينيين باستقالة الرئيس عباس. وعندما سُئل الفلسطينيون عن الحركة السياسية التي يؤيدونها، حصلت فتح وحماس على نسبة تأييد متطابقة بلغت 24% لكل منهما، بينما أعلن 44% بشكل حاسم أن لا فتح ولا حماس تستحق قيادة الشعب الفلسطيني. وكانت حماس، التي شهدت ارتفاعًا كبيرًا في شعبيتها بعد 7 أكتوبر، قد فقدت قدرًا كبيرًا من التأييد خلال العامين التاليين، وعادت إلى نحو مستواها السابق قبل الحرب. وبناءً عليه، يتسم المشهد السياسي الفلسطيني المعاصر، لا بهيمنة فصيل واحد، وإنما بخيبة أمل واسعة من المؤسسة السياسية وعدم يقين عميق بشأن بدائل القيادة.
وفي هذه البيئة الداخلية المتقلبة، ضغطت الجهات الدولية والإقليمية الساعية إلى ترتيبات مستدامة لحكم غزة بعد الحرب على السلطة الفلسطينية لإجراء إصلاحات مؤسسية من خلال انتخابات ديمقراطية. وترى دول عربية رئيسية وحكومات أوروبية أن الانتخابات البرلمانية والرئاسية آلية جوهرية لتجديد التفويض الديمقراطي للسلطة الفلسطينية، وإنتاج قيادة سياسية جديدة، وإعادة بناء الأساس اللازم لإعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة. وبناءً على ذلك، حددت القيادة الفلسطينية رسميًا 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدًا للانتخابات التشريعية. غير أن هذا الموعد يخلق تعارضًا زمنيًا حادًا: إذ من المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أي قبل شهر واحد بالضبط من التصويت الفلسطيني. ولا يترك ذلك وقتًا يكاد يُذكر أمام الحكومة الإسرائيلية الجديدة لتشكيل نفسها ووضع سياسة تجاه الانتخابات الفلسطينية، ولا سيما بشأن التصويت في القدس الشرقية، وأنشطة الحملة الانتخابية، والتنسيق الأمني في غزة والمنطقة (ج).
ومن ثم، فإن السؤال التحليلي المركزي لا يتمثل فقط في ما إذا كانت لجنة الانتخابات المركزية قادرة تقنيًا على إجراء التصويت في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، بل فيما إذا كانت الانتخابات التي تُجرى في ظل الظروف السياسية والأمنية والإقليمية والمؤسسية الراهنة قادرة على إنتاج برلمان يتمتع بشرعية تمثيلية حقيقية وسلطة عملية.
معوقات خطيرة أمام انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2026 |
تواجه آفاق إجراء انتخابات تشريعية فلسطينية ذات مصداقية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 خمسة معوقات هيكلية رئيسية تجعل التأجيل المؤقت شبه حتمي. أولًا، تفرض السيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة على القدس الشرقية والمنطقة (ج) ونقاط العبور الرئيسية في الضفة الغربية حالة من عدم اليقين الشديد بشأن السماح للمواطنين الفلسطينيين في هذه المناطق بالترشح وتنظيم الحملات والتصويت في ظروف انتخابية مقبولة. ويشير التدخل الإسرائيلي السابق في التصويت في القدس الشرقية، إلى جانب أجندة الضم للحكومة الإسرائيلية الحالية، إلى احتمال أن تعرقل إسرائيل النشاط الانتخابي، أو تصادر المواد الانتخابية، أو تعتقل المرشحين، بما يحرم العملية من الشمول الجغرافي.
ثانيًا، تفتقر السلطة الفلسطينية إلى الأمن التشغيلي والحضور الإداري في مختلف أنحاء قطاع غزة وفي مناطق متزايدة من الضفة الغربية. ويعني الدمار المادي الذي لحق بالبنية التحتية العامة في غزة، ونزوح نحو 1.9 مليون من السكان، وغياب إدارة مدنية موحدة، أن السلطة الفلسطينية لا تستطيع تأمين مراكز الاقتراع، أو حماية الموظفين، أو ضمان سرية التصويت، أو إنفاذ نتائج الانتخابات. ومن دون سيطرة إدارية، فإن إجراء الانتخابات في غزة ينطوي على خطر حدوث فشل انتخابي واسع النطاق.
ثالثًا، يطرح الوضع السياسي والقانوني غير المحسوم لحماس تناقضًا سياسيًا رئيسيًا. فغياب مصالحة حقيقية بين فتح وحماس يترك دون إجابة مسألة كيفية عمل مجلس تشريعي منتخب إذا فازت حماس أو قائمة مدعومة منها بحصة كبيرة من المقاعد. ومع اشتراط المانحين الدوليين استبعاد حماس من الحكم التنفيذي مقابل تقديم مساعدات إعادة إعمار غزة، فإن انتخابات تُنتج تمثيلًا قويًا لحماس قد تؤدي إلى عزلة دولية فورية من دون حل الانقسام الإقليمي الأساسي.
رابعًا، تفرض قواعد الترشح التقييدية حواجز قانونية خطيرة. فالتعديلات على قانون الانتخابات الفلسطيني تلزم القوائم الانتخابية والمرشحين الأفراد بالتعهد صراحة بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي الوحيد، وتأييد برنامجها السياسي. ويهدد هذا الشرط القانوني باستبعاد حركات سياسية بارزة وفصائل مستقلة وائتلافات مناهضة للمؤسسة السياسية ترفض اتفاقيات محددة لمنظمة التحرير الفلسطينية أو تحتفظ باختلافات أيديولوجية مع قيادتها الرسمية.
خامسًا، تؤدي العوامل المتراكمة—بما في ذلك النزوح الجماعي للسكان في غزة، والضعف المالي للسلطة الفلسطينية، وعنف المستوطنين غير المكبوح، والتعديلات الأحادية الجانب على قوانين الانتخابات—إلى تقويض الثقة العامة في العملية الانتخابية بصورة شديدة، بما يقوض الغرض الأساسي من إنشاء سلطة حاكمة ذات شرعية.
وتتفاقم هذه الحواجز الهيكلية بفعل مخاطر زمنية حاسمة. أولًا، تخلق الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بيئة داخلية شديدة التوتر في إسرائيل، حيث قد تتنافس الأحزاب السياسية لإظهار التشدد من خلال تشديد الإجراءات ضد النشاط الانتخابي الفلسطيني. ثانيًا، إن إجراء الانتخابات البرلمانية قبل الانتخابات الرئاسية (المتوقعة في عام 2027) يخلق حالة من عدم الاستقرار الدستوري، إذ سيطعن برلمان منتخب حديثًا فورًا في السلطة التنفيذية للرئيس عباس، بما قد يؤدي إلى مأزق دستوري.
وعلى الرغم من أن لجنة الانتخابات المركزية حافظت على الجاهزية الفنية ونشرت جدولًا زمنيًا انتخابيًا رسميًا—يشمل تحديث سجل الناخبين، وفتح باب الترشح في 26 سبتمبر/أيلول، وبدء الحملة الانتخابية في 6 نوفمبر/تشرين الثاني، وإجراء الاقتراع في 28 نوفمبر/تشرين الثاني—فإن الإدارة الفنية لا تستطيع تجاوز المآزق السياسية الأساسية. وفي غياب توافق سياسي، يعمل موعد 28 نوفمبر/تشرين الثاني كهدف غير واقعي، وليس كجدول زمني تشغيلي قابل للتنفيذ.
الفوى الانتخابية المتنافسة |
إذا أُجريت الانتخابات التشريعية الفلسطينية في موعدها أو بعد تأجيل قصير، فسيتركز التنافس السياسي حول خمس قوى سياسية متميزة. وسيتوقف الشكل الدقيق للقوائم الانتخابية على مفاوضات معقدة بين قادة فتح الرسميين، والمنشقين عن فتح، وحماس وشركائها المحتملين في التحالف، والأحزاب اليسارية، ومجموعات من المجتمع المدني. ويوفر استطلاع المركز الفلسطيني في أغسطس/آب 2026 بيانات قوية لتقييم القوة النسبية والديناميات الهيكلية لهذه القوى الخمس.
المنافس الأول هو قائمة فتح الرسمية، التي يسيطر عليها الرئيس محمود عباس والقيادة الحزبية القائمة. وعلى الرغم من الاستياء الشعبي الواسع من عباس، تحتفظ فتح الرسمية بمزايا مؤسسية كبيرة، بما في ذلك شبكات المحسوبية، والانضباط الحزبي، والخبرة الإدارية. ويضع استطلاع المركز الفلسطيني التأييد الأساسي لفتح عند 24%، ويرتفع إلى 32% بين الناخبين المرجح مشاركتهم في سيناريو يستخدم القوائم التي شاركت في انتخابات 2006. وقد تحاول القيادة الرسمية لفتح تعزيز جاذبيتها من خلال استقطاب قيادات شبابية وشخصيات من المجتمع المدني ومستقلين يحظون بالاحترام. غير أن قائمة فتح الرسمية ستكون مثقلة بشدة بإحباط الناخبين من انطباعات الفساد في السلطة الفلسطينية، والتنسيق الأمني، والركود الاقتصادي.
المنافس الرئيسي الثاني هو قائمة فتح المنشقة المتمحورة حول مروان البرغوثي، بقيادة أو ارتباط ذلك القيادي الفتحاوي المعتقل وشخصيات بارزة مثل قدورة فارس. وتظهر استطلاعات الرأي باستمرار أن البرغوثي هو الشخصية السياسية الأكثر شعبية في الأراضي الفلسطينية. وعند اختباره بوصفه خليفة محتملًا للرئيس عباس، يحصل البرغوثي على تأييد 39%، متقدمًا بفارق كبير على خليل الحية (16%)، ومحمد دحلان (15%)، ومصطفى البرغوثي (6%). وفي مواجهة رئاسية مباشرة، يفوز البرغوثي بنسبة 54% بين الناخبين المرجح مشاركتهم. والأهم بالنسبة للسباق التشريعي، أن استطلاع المركز الفلسطيني للسيناريوهات يكشف أنه عندما تخوض قائمة البرغوثي الانتخابات بصورة منفصلة عن قائمة فتح الرسمية، تحصل قائمة البرغوثي على 33% من الأصوات، مقابل 14% فقط لقائمة فتح الرسمية. ومن شأن قائمة منفصلة للبرغوثي أن تؤدي فعليًا إلى انقسام القاعدة الانتخابية التقليدية لفتح، بما يمثل أكبر تهديد لهيمنة فتح الرسمية على المجلس التشريعي.
القوة الثالثة، وربما الأكثر حسمًا، هي ائتلاف وطني واسع من المعارضة المناهضة لعباس، يتمحور حول حماس لكنه يتجاوزها بدرجة كبيرة. وتشير تقارير صحفية حديثة من القاهرة إلى مفاوضات جارية بين حماس، والكتلة الديمقراطية للإصلاح التي يقودها محمد دحلان، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والحركة السياسية التي يقودها ناصر القدوة، وشخصيات مستقلة. وقد أشار قادة حماس إلى تبنيهم استراتيجية تقوم على المشاركة من خلال قائمة وطنية موحدة بدلًا من خوض الانتخابات بقائمة صريحة لحماس. ومن خلال ترشيح تكنوقراط مستقلين، وشخصيات وطنية تحظى بالاحترام، ومرشحين غير حزبيين، تسعى حماس إلى توسيع نطاق مكانتها الانتخابية وحماية القائمة من العقوبات الدولية. ويمكن للتقارب المحتمل بين حماس ودحلان—وهما خصمان لدودان سابقًا خلال الصراع الدامي في عام 2007، لكنهما تعاونا في مجال الإغاثة الإنسانية في غزة خلال الأعوام الثلاثة الماضية—أن يوحد قاعدتين انتخابيتين رئيسيتين وخاصة في قطاع غزة.
القوة السياسية الرابعة تتكون من قوائم الأحزاب اليسارية مما يعرف بالقوى الثالثة، بما في ذلك المبادرة الوطنية الفلسطينية، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وحزب الشعب الفلسطيني. وتميل هذه الأحزاب عمومًا إلى رفض التحالف الرسمي مع فتح الرسمية أو ائتلاف حماس-دحلان بسبب الاختلافات الأيديولوجية والسياسية. وتشير استطلاعات المركز الفلسطيني إلى أن أحزاب اليسار من القوى الثالثة تحظى مجتمعة بتأييد 18% بين الناخبين المرجح مشاركتهم، ما يجعلها كتلة برلمانية مهمة.
أما القوة الخامسة فتتمثل في قوائم المستقلين والمجتمع المدني. وعلى الرغم من أن تعديلات الرئيس عباس الانتخابية الأخيرة أبقت العتبة الانتخابية منخفضة عند 1%، فإن القوائم المستقلة تواجه عقبات هيكلية شديدة، من بينها التشرذم المحلي، وقلة المعرفة بها على المستوى الوطني، ومحدودية الموارد المالية. ونتيجة لذلك، من غير المرجح أن تتمكن القوائم المستقلة من تحويل الدعم المحلي إلى حضور برلماني كبير.
وتؤثر القواعد المؤسسية التي أقرها تعديل الرئيس عباس الانتخابي في أغسطس/آب 2026 بصورة مباشرة في هذه الديناميات التنافسية. فقد أعاد التعديل عدد مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني إلى 132 مقعدًا وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، وأبقى على عتبة انتخابية منخفضة تبلغ 1%، وخفض سن أهلية الترشح إلى 23 عامًا، وفرض حصصًا للنوع الاجتماعي. وفي حين تخفض هذه المعايير الحواجز أمام الجماعات السياسية الناشئة، فإن الحاجة لبناء قوائم وطنية ذات فاعلية يخلق حوافز قوية للتحالفات التكتيكية الواسعة.
النتيجة المحتملة للانتخابات |
تشير الأدلة المستقاة من استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن الانتخابات التشريعية المقبلة لن تكرر البنية الثنائية بين فتح وحماس التي ميزت انتخابات 2006، عندما حصل الفصيلان الكبيران على 85% من إجمالي الأصوات. وبدلًا من ذلك، ستنتج الانتخابات برلمانًا شديد التجزؤ، حيث سيتحدد التوازن النهائي للقوى من خلال الانقسامات الداخلية في فتح وبناء ائتلافات المعارضة.
توضح نتائج استطلاع المركز الفلسطيني في أغسطس/آب 2026 التوازن الانتخابي الراهن. ففي سيناريو أساسي يختبر إطار القوائم التقليدية لعام 2006، تحصل فتح على 32% بين الناخبين المرجح مشاركتهم، وحماس على 29%، وتحصل القوى الثالثة مجتمعة على 18%، بينما يبقى 21% مترددين. ويمثل ذلك انعكاسًا كبيرًا مقارنة باستطلاع أُجري قبل عشرة أشهر، عندما تقدمت حماس على فتح بنسبة 44% مقابل 30%. فقد خسرت حماس 15 نقطة مئوية مع تراجع موجة شعبيتها التي أعقبت 7 أكتوبر، بينما كسبت فتح نقطتين. وانخفض التأييد العام لحماس من 35% إلى 24%، ليتساوى مع فتح عند تلك النسبة. كما انخفض الاعتقاد بأن حماس هي الأجدر بتمثيل الشعب الفلسطيني من 41% إلى 28%، بينما قال 44% إن أيًا من الحزبين الرئيسيين لا يستحق القيادة.
ويُظهر فحص السيناريوهات الذي أجراه المركز الفلسطيني كيف تغير تشكيلات القوائم الانتخابية هذه الأرقام الأساسية. فعندما تنافس قائمة منفصلة لمروان لبرغوثي، تحصل على 33% من الأصوات، ما يخفض حصة فتح الرسمية إلى 14%. وفي سيناريو يفحص حظوظ قائمة منفردة لدحلان، يحصل على 17% مقابل 16% لفتح الرسمية. أما قائمة معارضة وطنية وإسلامية موحدة فتحصل على 22%، بما يعادل حصة فتح الرسمية البالغة 22% في ذلك السيناريو المحدد. وتثبت هذه النتائج أن قاعدة التصويت لفتح الرسمية معرضة بشدة للتشرذم إذا دخلت قوائم منشقة أو معارضة ذات مصداقية إلى السباق.
ويمثل ائتلاف حماس-دحلان المعارض الناشئ متغيرًا انتخابيًا حاسمًا. فإذا نجحت حماس ودحلان والقدوة والجهاد الإسلامي وشخصيات مستقلة في تسجيل قائمة انتخابية موحدة، فقد يتمكن الائتلاف من تجميع كتل تصويتية صغيرة منفردة في قوة برلمانية مهيمنة. ورغم أن أرقام الاستطلاعات لا يمكن جمعها مباشرة بسبب تغير اختيارات الناخبين بمجرد ظهور البرامج الرسمية، تؤكد بيانات المركز الفلسطيني أن ائتلاف المعارضة المناهض لعباس ينطلق من قاعدة صلبة لا تقل عن خمس الناخبين.
ويظل عامل البرغوثي حاسمًا بالقدر نفسه. فإذا خاض مروان البرغوثي الانتخابات على رأس قائمة مستقلة، فسوف يستقطب بقوة من القاعدة التقليدية لفتح، وكذلك من الناخبين الذين يرفضون كلًا من عباس وحماس، بما ينتج انقسامًا برلمانيًا ثلاثيًا أو رباعيًا لا تقترب فيه أي قائمة من أغلبية حاكمة. وعلى العكس، فإن تحالفًا بين البرغوثي وقيادة فتح الرسمية سيعمل على توحيد قاعدة فتح وتغيير الحسابات الانتخابية بصورة جذرية.
وسيلعب إقبال الناخبين، الذي يقدره المركز الفلسطيني بنحو ثلثي الناخبين المؤهلين، دورًا حاسمًا. فالمشاركة المنخفضة تفيد بصورة غير متناسبة الأحزاب القائمة مثل فتح الرسمية وحماس، بينما ستعزز المشاركة المرتفعة بين الناخبين المحبطين القوائم المستقلة والقوى الثالثة وقوائم المعارضة.
وخلاصة القول، لا تستطيع فتح الرسمية تأمين أغلبية برلمانية ما لم تبقَ قوى المعارضة منقسمة بشدة. وإذا توحدت حركات المعارضة في قائمة واحدة، بينما انقسمت فتح بين عباس والبرغوثي ودحلان، فستؤدي الانتخابات إلى مجلس تشريعي شديد التجزؤ لا تسيطر عليه أي جهة بمفردها، ما يجعل ائتلافات الحكم بعد الانتخابات معقدة وغير مؤكدة.
الخلاصة: مبررات التأجيل لمدة ثلاثة إلى أربعة أشهر |
إن التأجيل المحدود للانتخابات الفلسطينية لمدة ثلاثة إلى أربعة أشهر—بنقل الاقتراع من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 إلى أوائل عام 2027—ليس تراجعًا عن المساءلة الديمقراطية، بل خطوة ضرورية لضمان تصويت ذي معنى وصدقية وفاعلية. فالعقبات الهيكلية التي تواجه الانتخابات عميقة ولا يمكن حلها في ظل الجدول الزمني المضغوط الراهن.
أولًا، إن التوقيت بالنسبة إلى السياسة الإسرائيلية بالغ الأهمية. إذ يتيح تأجيل الاقتراع للسلطة الفلسطينية تقييم نتائج الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول 2026، والتعامل مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة بعد تشكيلها بشأن ترتيبات تشغيلية حيوية، بما في ذلك وصول الناخبين في القدس الشرقية، وحرية الحملة الانتخابية في المنطقة (ج)، والإجراءات الأمنية في غزة.
ثانيًا، تجعل الحقائق الميدانية في غزة إجراء التصويت في نوفمبر/تشرين الثاني مستحيلًا من الناحية اللوجستية. فمن دون إدارة مدنية عاملة، وسجلات ناخبين مؤمنة، واستقرار سكاني، ستفشل الانتخابات في تلبية المعايير الدولية الأساسية. ويوفر التأجيل القصير وقتًا ضروريًا لإعادة بناء البنية التحتية الانتخابية الأساسية ومنع حرمان الناخبين في غزة من حقهم في التصويت.
ثالثًا، يفتقر الإطار الانتخابي الحالي إلى توافق وطني واسع. فقد رفضت فصائل سياسية رئيسية قانون الانتخابات المعدل من جانب واحد، في حين يهدد الانقسام الشديد داخل فتح بإنتاج برلمان مختل الوظيفة. ويوفر التأجيل نافذة للحوار الشامل بين الفصائل من أجل وضع قواعد انتخابية متفق عليها وتمكين الأحزاب من توحيد صفوفها.
رابعًا، ينطوي إجراء الانتخابات التشريعية بمعزل عن الانتخابات الرئاسية على خطر التسبب في أزمة دستورية كبيرة، إذ سيطعن مجلس تشريعي منتخب حديثًا فورًا في شرعية الرئيس عباس الذي انتهت شرعيته الانتخابية قبل ستة عشر عاما وسيطالب بإجراء انتخابات رئاسية. ومن خلال الالتزام بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في وقت متزامن في أوائل عام 2027، تستطيع القيادة الفلسطينية تقديم التأجيل باعتباره مبادرة مبدئية واستراتيجية نحو تجديد ديمقراطي شامل.
وخلاصة الأمر أن التأجيل مبرر بالحقائق اللوجستية، والشرعية القانونية، والحصافة الاستراتيجية. فهو يحول التأخير التكتيكي إلى استراتيجية متماسكة لضمان أن تنتج الانتخابات الفلسطينية سلطة حاكمة شرعية وتمثيلية وفعالة.
أيلول (سبتمبر) 2026 